سيد محمد طنطاوي
78
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والعرب يذكرون التناول باليمين ، على أنه كناية عن الاهتمام بالشيء المأخوذ ، وعن الاعتزاز به ، ومنه قول الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين وجملة * ( فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه ) * جواب « أما » - ولفظ « هاؤم » هنا : اسم فعل أمر . بمعنى : خذوا ، والهاء في قوله « كتابيه وحسابيه » وما ماثلهما للسكت ، والأصل كتابي وحسابي فأدخلت عليهما هاء السكت لكي تظهر فتحة الياء . والمعنى في هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى كل فرد كتاب أعماله ، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل التبشير والتكريم ، * ( فَيَقُولُ ) * على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه أن يقول له : * ( هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه ) * أي : هذا هو كتابي فخذوه واقرؤه فإنكم ستجدونه مشتملا على الإكرام لي ، وتبشيرى بالفوز الذي هو نهاية آمالي ، ومحط رجائي . * ( إِنِّي ظَنَنْتُ ) * أي : تيقنت وعلمت * ( أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَه ) * أي : إني علمت أن يوم القيامة حق ، وتيقنت أن الحساب والجزاء صدق ، فأعددت للأمر عدته عن طريق الإيمان الكامل ، والعمل الصالح . قال الضحاك : كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ، ومن الكافر فهو شك . وهذه الجملة الكريمة بمنزلة التعليل للبهجة والمسرة التي دل عليها قوله - تعالى - * ( هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه ) * . * ( فَهُوَ ) * أي : هذا المؤمن الفائز برضا اللَّه - تعالى - * ( فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) * أي : في حياة ذات رضا ، أي : ثابت ودائم لها الرضا . فهي صيغة نسب ، كلابن وتامر لصاحب اللبن والتمر . أو فهو في عيشة مرضية يرضى بها صاحبها ولا يبغضها ، فهي فاعل بمعنى مفعول ، على حد قولهم : ماء دافق بمعنى مدفوق . وفي هذا التعبير ما فيه من الدلالة على أن هذه الحياة التي يحياها المؤمن في الجنة ، في أسمى درجات الحبور والسرور ، حتى لكأنه لو كان للمعيشة عقل ، لرضيت لنفسها بحالتها ، ولفرحت بها فرحا عظيما . * ( فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ) * أي : هذا الذي أوتى كتابه بيمينه ، يكون - أيضا - في جنة مرتفعة على غيرها ، وهذا لون من مزاياها .